يوم تطايرت الأصفار
" بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ."
تتردد الجملة في ذهني بينما احكم رباط "الكرافتة" واتهيأ لكي الحق ب " بأتوبيس" العمل، ترتسم على شفتي شبح ابتسامة، فهذه كانت هي آخر كلماتي التي كتبتها على الـ “Facebook”، لم أكن أعلم ذلك حين كتبتها، ولم أتصور أنها ستكون الجملة الأخيرة في المطلق التي سأكتبها على شبكات التواصل الاجتماعي، وأنني ربما سأتذكرها في ما بعد لسنوات كثيرة لا حصر لها بعد أن يبهت أثر كل جملة أخرى.
ألتقط هاتفي الذكي، كدت أضغط على الأيقونة الزرقاء المرسوم عليها حرف “f” اللاتيني كعادتي الصباحية التي لازمتني طوال عشرين عاما لكنني أتوقف فجأة، فمئة يوما قفز في وجهي فيهم ذلك المربع ذو اللون الابيض المحايد لدرجة الاستفزاز تتوسطه عبارة " خطأ في الاتصال" كانت كفيلة لكي ييأس عقلى الباطن ويتوقف عن محاولاته اللاواعية لفتح الـ "Facebook"
رغم مرور كل تلك الأيام على سقوط شبكات التواصل الاجتماعي إلا أنني مازالت لا أصدق تماما ما حدث. كان الأمر صادما ومفاجأة غير متوقعة بالمرة. أعواما لا حصر لها مضت، عوالم انهارت وأخري انبعثت من أطلالها، ثورات اندلعت وفشلت ثم انبعثت من جديد، تغير شكل العالم عدة مرات، لكن ظلت شبكات التواصل الاجتماعي صامدة و حاضرة منذ أن انطلقت للمرة الأولى حتى بدا أن لها قوة الحياة نفسها. فكيف في بضع ساعات تتوقف عن العمل للأبد !
افتح تطبيق المذاكرات الصوتية، واضغط تسجيل جديد وبصوت خافت اتمتم :
- اليوم الواحد بعد المائة منذ سقوط شبكات التواصل الاجتماعي، بالأمس استطعت ان انهي الرسالة التي بدأت في كتابتها بخط يدي على الطريقة القديمة منذ عشرة أيام بعد عدة محاولات فاشلة، استطعت أيضا أن اتغلب على نوبات القلق التي تنتابني حين تحدث مشكلة في العمل فاهرب لـ "twitter" فلا أجده ، وأخيرا نمت مطمئنا للمرة الأولى منذ حدوث الكارثة دون أن استيقظ فزعا في منتصف الليل شاعرا أنه لابد أن الكثير من الأشياء الهامة فاتتني دون أن أعرف عنها شيء بسبب أنني لم أتصفح الـ "Facebook" كعادتي قبل النوم.
اصمت للحظات ثم أضيف
- قررت أن أقوم اليوم باعطاء الرسالة التي قمت بكتابتها للفتاة التي أسرت روحي وغزت عقلي.
اضغط زر الحفظ، ثم انظر من شباك غرفتي للسماء الصافية وأسرح قليلا مفكرا في الفتاة الجميلة. انتبه على دقات ساعة الحائط معلنة عن الساعة الثامنة، أقفز من الكرسي الذي أجلس عليه مهرولا للشارع لألحق بـ"أتوبيس" العمل قبل أن يفوتني.
أصل لناصية الشارع لأجد أن "الأتوبيس" قد تحرك منذ بضع ثوان، ألتقط هاتفي لأكلم عم محمد السائق ليتوقف، لكننى اتراجع عن هذا وأقرر أن أتمشى مستمتعا بالجو الرائق ونسمات الهواء الصباحية الباردة لمحطة المترو القريبة لاستقله لمكان عملي.
انظر للمحلات من حولي كما اعتدت أن أفعل كلما سرت في هذا الشارع، أمر على عدة محلات لا أتعرف عليها، متى افتتحت؟ اتسائل في استغراب، انظر للرصيف في الذي يفصل بين اتجاهي الشارع، لا أجد أشجار النبق التي اعتدت أن أمشي في ظلها في الأيام المشمسة. اشعر بالتيه للحظات أفكر أنني في شارع خاطئ. متى تم قطع كل تلك الأشجار، كيف لم ألاحظ هذا؟! كنت أحفظ هذا الشارع مثلما احفظ خطوط يدي، طالما قطعته ذهابا وايابا مئات المرات فهو شارعي المفضل. أحاول أن أجد تفسيرا لما يحدث، هل تم هذا في الثلات أشهر الأخيرة التي لم أري فيها الشارع...لا أظن، أفشل في ايجاد تفسير منطقي، أهز كتفي في يأس ثم فجأة يباغتني التفسير، أرى نفسي بعين خيالى وأنا أتمشي في الشارع ناظرا لهاتفي دون أن التفت لما حولى، اضغط اعجبني على كوميك ما، ثم أرد على منشور يتحدث عن أمر يبدو مهما، أنتظر كوميك آخر ورسالة جديدة، ابدو كماكينة صممت لضغط الازرار والتلهف على كل جديد
اعود للوقت الحاضر، أشعر بالضيق فالتقط هاتفي سريعا وأضغط على الأيقونة الزرقاء فتقفز في وجهي الرسالة البغيضة "خطأ في الاتصال". أكمل المسير لمحطة المترو، لكن حين أصل أقرر ألا أذهب للعمل، اتصل بمديري وأخبره أنني لن آتي اليوم، ثم أتصل بصديقي طارق، فيأتيني صوته عبر الهاتف ضاحكا
- ايه يا عم المدمن أخيرا افتكرت ان ليك صاحب اسمه طارق
- مدمن في عينك، أنا بس كنت مشغول الأيام اللي فاتت
أجيبه مبتسما، وأنا أتذكر حديثنا الأخير بوضوح كأنه حدث بالأمس. كنا في مساء اليوم الثاني لتوقف شبكات التواصل الاجتماعي عن العمل، وبدأت الشائعات حينها تنتشر– سيتضح فيما بعد أنها صحيحة – عن أن شبكات التواصل الاجتماعي انتهت للأبد، وأنه لا أحد يعرف كيف حدث هذا، لكن بعض الأخبار المتناثرة هنا وهناك تتحدث عن أن ما حدث هو مسئولية مجموعة من المبرمجين الذين يعملون بالمؤسسات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي لكنهم ناقمين على تلك المواقع التي جعلت الناس أسرى عالم تخيلي فقرروا أن يدمروها.
أخبرني حينها طارق أنه سعيد لما جدا حدث، وأنه يود أن يعرف الفاعل الحقيقي ليبعث له بتحياته ، فما حدث هو بداية تخلص العالم من أكبر أمراضه، ألا تري كيف تحول الناس لمهرجين مبتذلين في سبيل حفنة من الـ "likes" وكيف أنهم نسجوا أكاذيب لا حصر لها هربا من هشاشة تطاردهم وحياة مادية تدهس ما تبقي في نفوسهم من مشاعر أمان وبحثا عن اهتمام فقدوه في العالم الحقيقي الموحش الذي لا يأبه بهم، غير واعين أن هذه المواقع في النهاية أشبه بالمخدرات فنشوتها زائفة مثلها تماما.
حينها رددت عليه بحدة أن العالم لن يستمر طويلا دون مواقع التواصل الاجتماعي. وأنها على الرغم من كل مساوئها إلا أنها كانت سببا في حفظ صداقات كانت ستندثر مع الزمن، وفي تكوين صداقات جديدة وقصص حب كان يستحيل أن تنشأ دونها، كانت حبلا يمنع علاقاتنا من الانفراط بفعل الزمن،.
انتهى حديثنا حينها باتهامه لي أنني أصبحت مدمنا أنا الآخر لتلك المواقع التي تنتهك عذرية عقول مستخدميها علي عتبات صفحاتها ذات الشريط الازرق، وتستنفذ مشاعرهم فالكل يحاول ان يصبح رائعا ليس لأن هذا ما يريدون بالفعل، لكن الجميع يحاول أن يصبح رائعا وجيدا بما يكفي لكي يشارك حياته الرائعة مع آخرون لا يـأبهون بامره، لكنهم سيظهروا اعجابهم مع ذلك وسيضغطون "like" في حركة ميكانيكية اعتادوا عليها.
- ايه أخبارك، عاوز أشوفك قريب
ينتزعني صوته من خواطري فأرد عليه
- لو فاضي دلوقتي أنا خمس دقايق وهكون عند القهوة القديمة بتاعتنا، ممكن أشوفك هناك
- هلبس وأنزلك طيب، اشوفك كمان ساعة
أتمشى للمقهي الذي طالما جلسنا عليه، انظر للجالسين حولي، لازال بامكاني أن ألمح بعض النظرات المذعورة التائهة تطالعني. الأمر أصبح أقل حدة عما كان عليه في الأسابيع الأولى، لازالت أتذكرالأحوال بعد الأسبوع الأول من الانهيار، كنت حينها منعزلا في منزلي أبحث في القنوات الاخبارية عن أي خبر يشير إلى عودة أيا من مواقع التواصل الاجتماعي. بالطبع لم أجد ما أبحث عنه، لكن جميع القنوات كانت تنقل صورا لتجمعات مئات الآلاف من البشر في مختلف أنحاء العالم، الوجوه مذعورة، النظرات تائهة، واللافتات تندد بسقوط مواقع التواصل الاجتماعي. وصرخات تتعالا بين الفينة والأخرة. كان الأمر يبدو هزليا، مظاهرات من أجل الـ “social media” ، لكننى وقتها فكرت كثيرا أن أنضم لأقرب تجمع وأصرخ معهم.
لا بأس اذا بالقليل من النظرات التائهة المتبقية الآن.
- لأ بس شكلك مبقتش مدمن خلاص، مش ماسك الموبايل في ايديك، واضح أنك خفيت
يأتيني صوت طارق من خلفي مقهقها
- قلتلك يا عم أنا مش مدمن عشان أخف
أجيبه ضاحكا وأنا احتضنه ثم أكمل
- واحشني جدا
- وأنت كمان، ايه رأيك في الحياة دلوقتي، كنت بتراهن أن العالم مش هيمشي من غير الـ "Facebook". الناس هتنعزل في بيوتها، ومحدش هيخرج مع حد تاني، اهم نزلوا تاني وانت نفسك نزلت تاني.
أتذكر أيام العزلة الطويلة، وكيف أنني بعد أن فقدت الأمل في عودة مواقع التواصل الاجتماعي لم أعد أرغب في مقابلة أحد. كيف يمكنني أن أمضي الساعات في الحديث مع الآخرين دون “Facebook”أطالعه بين الحين والآخر لتمضية الوقت وللتغلب على لحظات الصمت، كيف يمكننى مواجهة زحام القاهرة الخانق وحركات العربات البطئية في طرقها دون “Twitter”، وكيف سأهرب من روتين العمل الممل دون صور “Instagram”المبهرة.
- مقلتش محدش هينزل تاني، للأسف لازم على الأقل ننزل شغلنا. بس قلت الحياة هتتغير للأسوء والملل هينتصرعلينا
- طب بص حواليك كدة، امتى آخر مرة شفت شلة أصحاب بيسمعوا لبعض بتركيز زي اللي هناك دوول، امتى آخر مرة شفت أب بيلاعب ابنه بجد مش بيمثل أنه بيلاعبه لكنه في الحقيقة مش مركز بيتشات مع صحابه. واحنا اهوه اتقابلنا عادي وصداقتنا مكملة والحبل بتاعك اللي كان هيمنعها تنقطع طلع ملهوش لازمة اوي وخوفك كان غلط
أهز رأسي في عدم اقتناع بينا تتردد في ذهني كلمات طارق الساخرة التي قالها في حديثنا العاصف السابق حين أخبرته عن هواجسي المتعلقة بانتهاء الصداقات القديمة وانقطاعها. قلت له أن بدون الـ”Facebook” لن أعرف أخبار أصدقائي. أجابني ساخرا ما فائدة ان تعرف ان ابنة زميلك في المقعد بالمدرسة ستتزوج بينما انت لم تتبادل معاه كلمات منذ عشر سنوات واقتصرت علاقتكم علي زر (اعجاب) تضغطه بين الفينة والاخرى. ثم سألني مستنكرا كيف تخاف من تطاير مجموعة من الاصفار والآحاد الوهمية تمثل كود أصما غبى.
- انت روحت فين يا عم، اللي واخد عقلك
يمازحني طارق فافيق من شرودي
- كنت بفكر في كلامك بس سيبك دلوقتي، هقولك اللي واخد عقلي
ابدء في سرد حكاية الفتاة التي أحب لطارق. حين أصل للجزء الذي أخبره فيه أنني تعلقت أكثر بها بسبب مواقع التواصل الاجتماعي وكيف أنني عرفت الكثير من آرائها بسبب صفحتها الشخصية، يقطاعني قائلا:
- شكل الـ “Facebook”بتاعك طلع ليه فايدة اهوه اخيرا
- ما انا قلتلك، و عامة مش مهم الـ”Facebook” دلوقتي سيبني اكمل
أرد عليه في نفاد صبر ثم أكمل حكايتي.
- وبس كدة تقريبا بحبها
اختتم حكايتي بهذه الجملة
- طب هتعمل ايه دلوقتي هتديها الرسالة ولا لأ
- مش عارف، أنا خايف الصراحة
يبتسم طارق لي ويربت على كتفي ثم يقول
- بقولك تيجي نلعب شطرنج وبعدين نشوف هتعمل ايه
- ماشي
نستغرق في لعب عدة أدوار، يهزمني طارق كعادته، لكن في دورنا الأخير افاجئه بحركة "مات الشاه" غير متوقعة
ينظر للرقعة، ثم يضحك قائلا
- شكلك خفيت من الإدمان بتاع الـ “Facebook” عشان تبدأ تغلبني في الشطرنج
أضحك ثم انظر لساعتي، فوزي الأخير يثير الحماسة في قلبي، فأقول لطارق
- أنا هديها الرسالة خلاص واللي يحصل يحصل.
يضحك طارق. أقوم سريعا وأودعه، يبتسم ويتمنى لي التوفيق.
استقل المترو، أصل في غضون نصف ساعة لناصية الشارع الذي به عملها، انظر لساعتي فأجدها تشير للسادسة الا عشر دقائق. افتح تطبيق المذكرات الصوتية واهمس:
- باقي عشر دقائق على اللحظة الموعودة، لم أكن أتخيل أنه ستواتني الشجاعة يوما ما لأعطيها مثل تلك الرسالة. مرات عديدة كدت أن أرسل لها على الـ "Facebook" قبيل انهياره أننى معجب بها لكنني كنت أحجم عن هذا في اللحظات الأخيرة. بعد انهيار مواقع التواصل الاجتماعي، بدا أننى قد نسيت كل ما يتعلق بها، لكن بعد مرورعدة أسابيع عدت للتفكير فيها ثانية.
"شكلي بحبها بجد"
اختتم التسجيل بهذه الجملة ثم انتظر خروجها من عملها، تمر الدقائق ببطء، حتى يلوح من بعيد ظل الفتاة التي طالما تابعتها في صمت طيلة عاما وبضعة أشهر، فتاة أحلامي التي أعجبت بها لدرجة الحب، رفضت أن أعترف بهذا لنفسي لوقت طويل، فكيف أحب فتاة لم أراها سوا مرة واحدة من قبل، حتى أنني لا أتذكر صوتها. لكن خوازرمية الـ "Facebook" لا تأبه باعترافي أو بخداعي لنفسي، هي لا تعكس إلا الحقيقة، بعد عدة مرات من البحث عن صورها، تعليقاتها، وبعد أن كتبت اسمها عشرات المرات في مربع البحث، عرفت الخوارزمية مدى عشقى لها، فأصبحت أخبارها وصورها هو أول ما أقابل صباحا حين افتح الـ "Facebook" دون الحاجة مني للبحث عنها.
تقترب الفتاة مني، قلبي يخفق في عنف. أكاد أن اتراجع، لكننى أتشجع قليلا. تتلاقى أعيننا، أبادرها وأنا أحاول الابتسام سائلا
- ازيك، يا رب تكون كويسة
تنظر لى في دهشة لكنها سرعان ما تتدارك نفسها فترد قائلة:
- الحمد الله كويسة أنت عامل ايه ؟
- الحمدالله بردو كله تمام، ليكي معايا رسالة
تنظر لي متسائلة
- رسالة ايه
- معجب سري باين
اضحك متوترا ثم أردف
- هتعرفي لما تقريها
أعطيها الرسالة ثم أودعها وأنا أهمهم عن ميعاد مهم ما يجب أن ألحق به. أدير ظهري لها وأخطو عدة خطوات في الاتجاه المعاكس، أتوقف فجأة ثم التفت ناحيتها، أجدها لازالت في مكانها ممسكة رسالتي وعلامات الاستغراب ترتسم على وجهها، اقترب منها ثانية واهمس " ندى" ثم تعلو نبرة صوتي وأنا أقول:
- أنا بحبك جدا على فكرة
لا انتظر رد فعلها، استدير ثانية منطلقا سريعا لمحطة المترو، وأنا اضحك فرحا كطفل صغير تهدهده أمه، بينما يكاد قلبي يقفز من صدري من فرط السعادة !











