بلدنا الوحيدة التي يمكن أن يحتال فيها مكان حياة الناس إلى موقع إنشاءات، ويستمر كذلك، ويعيش الناس يومياتهم في موقع إنشاءات لسنوات، ولا يستغرب أحد، فضلا عن أن يعترض طبعا. سيقولون "وانتوا تطولوا المترو يوصل لعندكم؟!"، وعلى حس هذا القول، نحن ساكتون من سنوات امتزجت فيها حياتنا بالعفار لأجل عيون المترو المنتظر.
أخيرا، جاورنا المترو. لا أقول جاورنا تماما، ولكنه قادم إن شاء الله. بيننا وبينه ثلاث محطات، وثلاث خطوات مطبوعة بالبن في قلب فنجان القهوة، تلات تيام، تلات شهور، أو تلات سنوات، يا مسهل.
من آخر محطة وصلها المترو، إلى بيتنا، يلزم الميكروباص للأسف. والميكروباص في ذاته ليس بأزمة، سوى أنه قد يجلب بضع مواجع لا تشفى بسهولة. دخلت الميكروباص وفي أذني السماعات، أحاول يسيرا أن أحتفظ بحالة المترو أكبر وقت ممكن، بممراته المنيرة والخالية، ومقاعده الفاقعة، وطقسه البارد دوما، أرفع صوت الموسيقا على الآخر بغرض الغلوشة على الواقع فوق الأرض، حينما يباغتني اتصال من صديق يثرثر ثرثرة مرهقة، ويشغلني عن طلب باقي، حتى أذكره بعد حين.
كان الميكروباص مخلع، حرفيا وليست مبالغة، برزت هياكل الكراسي الحديد من الجلد المقطع بتنجيده الهابط. فضلا عن الباب الذي سقط غير مرة في الطريق، واضطر السائق للتوقف وإعادته لموضعه.
كانت مؤخرتي تلامس حديد الكرسي، وتشعر ببرودته، وتدرك بغير عين لونه الصديء. أما ظهري، فاستقرت فيها كتلة من الحديد المصهور والجاف على وضعه غير المنتظم، من أثر اللحام على مايبدو، متسببة في انزعاجي وكدري، لا بسبب كون تبرعم الحديد ذاك مؤلما أو شيء، إنما لافتقاد حالة السيمترية والاتساق، فالنصف الثاني من ظهري غير مستقر، لأن لا كتلة تضغط عليه كالنصف الآخر، تماما كما يزعل خد، عندما لا تصيبه بوسة أصابت الخد الآخر.
أثر جانبي آخر من آثار المعيشة في قلب الإنشاءات إلى ماشاء الله حتى تذكرك الحكومة وتقرر إنهاء معاناتك أن مسار الميكروباصات ليس سوى مدق بدائي زاخر بالنقر والحفر غير المرئية، الواجب السير فوقها بحذر وسرعة سلحفاة، فلا تلد العلى وش ولادة بغير طلق، وتجهض من لم يستقر جنينها بعد في رحمها، ويصاب عموم الركاب بانزلاقات الغضاريف، وعلى ذلك، ليست هذه هي المواجع التي لا تشفى بسهولة التي أحكي عنها.
بطبيعة الحال في سياق كهذا، تنعدم الحدود الفاصلة الصارمة بين الأشخاص، وتتلاشى أبعاد المساحة الشخصية بمفهومها. أو ربما أنا من أخفق في صد الأيادي والاحتمالات بحزم، لا أدري. بعد تباديل وتوافيق الطلوع والنزول كل خمسة متر، انتهى بي الأمر إلى الوضع التالي: أجلس في الكنبة قبل الأخيرة، على ذات الكرسي الملحوم خمسمائة مرة، والبازرة عظامه من تحت الجلد، إلى جوار رجل، لا أعتبر أن مظهره فيه مايدعو للريبة، أو أية تحفز.
كان صديقي الثرثار انتهى من الوش في سماعة أذني، حينما أدركت أن ثقلا آدميا يعلو فخدي، وقعته سودة. لم أستطع وقتها أن أفسر سر الإدراك المفاجيء، غير أنني كنت على يقين أنني أنا من انتبهت فجأة، والتحسس ذاك مستمر منذ فترة لا يعلم إلا الله مدتها. آخر تحرش تعرضت له كان من شهور، تجمدت وشل تفكيري وجسدي كله ولم أفعل شيئا سوى أن نظرت إلى المتحرش في عينيه مباشرة نظرة تحاول أن تكون رادعة ولم يسعفني لساني بقول شييء أو حتى يدي.
حينما انتظمت كلمات على لساني مستعدة للخروج وقتها، كان الفتى قد سحب يديه من موضعها، وبدأ وصلة دردشة على الماسنچر تنفي عنه أي شبهة، فلم أستطع أن أنطق وبنيت بيننا عازلا من حقيبة يدي، حتى وصلت.
في نوبة بكائي الهيسترية لاحقا بعد أيام وضعت بروتوكول للتصرف في حادثة التحرش القادمة، ماذا أقول، وكيف أتحرك، والألفاظ التي استخدمها لوصف ماحدث للركاب بطريقة يفهمونها، وبغير أن أهتز، فأنا أعي على كل حال أن اللغة التي استخدمها في حياتي اليومية للحكي والوصف لاتناسب مخاطبة جمهور عام في ميكروباص. كعادتي، كتبت البروتوكول وحفظته صم، غير أنه في هذه اللحظة كان قد انمحى من رأسي تماما بغير أثر.
كان خطأ الحادثة الأخرى أنني نبهت المتحرش السابق- أحاول أن أفكر، لكن رأسي لاتستجيب. بعد لحظات، بدأت رأسي تسعفني ببعض الحيلة. يجب ألا أنظر فأنبه المتحرش الحالي، وأن أتصرف بسرعة ومباغتة. حبست أنفاسي، وحاولت ألا أظهر إدراكي أن شيئا ما يدور هاهنا. جاء دور الخطوة التالية من البروتوكول، لكن رأسي لم تعاود العمل ثانية أبدا، فلبيت نداء الغريزة المصفى من أي حيلة ونظرت.
كان فخدي يبعد عن جاري مللي أو اثنين، كافيين كيلا نكون متلاصقين. أما يداه، فكانتا مربعتان كمقريء مراهق خجول، وتوشك رقبته أن تتضرر من فرط اتساع زاوية النظر من الشباك! لا أدري ماحدث، لكنني شبه متأكدة أنني لم أنبهه ليعدل وضعه. اتسع قوس الاحتمالات على الآخر. وداخلني الشك أنني موهومة، ليصبح مستحيلا بالنسبة لي أن آخذ حقي منه صراخا أو ضربا حتى. لا أدري إذا كنت أميل في كل مرة لتفسير الشك لصالح للمتحرش حقانية مني، أم خوفا من العواقب وافتقارا للجسارة. لا يهم، المهم أنني قد أكون موهومة، والرجل بريء.
أعلم جيدا العواقب الوخيمة لتراكم الوصول لنتيجة أنني موهومة أخيرا في كل مرة، وانعكاسها على كل شيء في حياتي، فقليل من الانحياز لضلالاتنا لا يضر العالم شيئا، لكنني لا أحبذه. في اللحظات القليلة التالية، كانت رأسي مرتبكة تماما، ودفاعاتها هشة لأقصى حد، ليغزوها طيف من الخيال والشعوذة لا تقو على مقاومته، وتعاودني حكاية الجني العاشق الذي تفسر صديقتي بوجوده العلامات والخربشات التي أفاجأ بها منذ سنوات في أنحاء متفرقة من جسدي من حين إلى آخر، وتعزيها هي إلى مداعبات شيطانية تستلزم استشارة شيخ ثقة تعرفه أمها.
ترفض أمي مجرد مناقشة حكاية الشيخ الثقة تلك من بابها، وتقول الحافظ هو الله، وتنصحني بالتحصن بالأذكار والصلاة على أوقاتها، وتحديد علاقتي بصديقتي المهووسة، بغير أن يظهر عليها أي قلق. أرتاح عادة لحل أمي الآمن، وأنتظم في صلاتي لأيام، ثم أنسى الموضوع، لكن تفسير صديقتي للأمر يظل على رف الاحتمالات في رأسي، غير منسي وغير مذكور، ويطفو على السطح في مواقف مشابهة، ثم ما يلبث أن يطمر. أيعقل أن تكون فلانة على حق؟! وجاري الراكب مظلوم، والجني إياه هو من اشتاق لبعض الملاعبة؟! ربما..
وإن يكن حتى، فما مزاج جني بقدرات خارقة في بضع لمسات مختلسة في مواصلة عامة، زاخرة بالعرق والرطوبة، أكثر من أي شييء آخر؟! هل التحرش طور من أطوار رغبات هذا الجني المحتمل الوجود، أو ظرفا يزكي رغبته ويجدد شهوته مثلا؟! كيف أعرف شيئا عن شهوة العفاريت، فجوجل لا يسعفنا بإجابات أسئلة كهذه للأسف. هل يعيش هذا العفريت في بعد ثالث أصلا، ويتخيلني في زمن غير الزمن برداء وردي على سرير من ريش نعام، وتعلوه ناموسية من التل، ولايفرق معه تواجدي في ميكروباص، أو طائرة نفاثة؟! بحر من الاحتمالات غرقت فيها وجمدت الدم في أطرافي فشعرت ببرودة مقيتة. بدا الأمر خطيرا لا يستحق الاستخفاف للحظات، أنهاها جاري الراكب بنكزة في كتفي: عاوز انزل يا آنسة، لأفاجأ به واقفا ومنحنيا في نفس الوقت فلا يرتطم بسقف الميكروباص، ومستعدا للنزول.
في هذه اللحظة أدركت أن الوقت المار الذي حسبته دهرا، لم يكن إلا مسيرة نصف محطة بخطوات الميكروباص المتلكئة. في الظلام، كان جاري الراكب يجري بعيدا كظل رمادي لرجل عادي لايبدو عليه أنه قد مارس سلوكا مشينا كالتحرش في حياته أبدا، غير أنني قبل أن أشيح عنه بنظري وأعود حيث كنت، استطعت أن أميز يده اليمنى تعلو وتهبط بسرعة وعصبية كأنما يفرك عضوه، بعد فاصل قصير من إثارة مسروقة، يخشى أن تزول.
(تمرينات كتابة صباحية/مسائية، مسودة أولى، تمت في ٢٩ أغسطس ٢٠١٩)