موضع الكسر الأخير
إذا سألت أحدهم عن نهاية العالم سيرد بسخرية (يا ريت بقى ونخلص)، أما إن حدثته عن الموت سيتقلص قلبه ويصيبه قلق الخسارة.
تبتر سيرة الموت كل الفرص المحتملة، تهزم الكلمات وتسترد الأمل.
أمّا نهاية العالم لطالما كانت فكرة يستحسنها الإنسان، الرقص على حافة الهاوية، الفترة منذ بداية الإعلان عن نهاية العالم وحتى نهايته الفعلية هي وعد جريئ بحياة كاملة وكلمة السر لرصيد لا نهائي من الفرص.
أن تتخلّص من ذنب فرديتك وتتماهى في خطايا الجماعة التي سارعت بنهاية العالم.
أن لا يتخلى عنك العالم وإنما سيأخذك معه للنهاية يد بيد.
أن تحيا دون ثقل وأن تأخذ نصيبك من الحريّة كاملًا دون أن تنظر حولك.
وأن تنظر حولك ولا تخاف التيه، لا يرهبك زخم العالم ولا يفجعك صوت المنّبه صباحًا.
أن تكمل التجربة من موضع آخر كسر دون الحاجة لإصلاحه.
أن يتكاتف أبطال العالم في مواجهة الشرور ويتم تسكين دورك بسهولة من قِبل صانع العمل، فتستيقظ ولأول مرّة لتجد نفسك لا تحارب وحيدًا.
أن تقع في الحب ولا تتردد في الاعتراف، وأن تحب كل شيء وتجرّب كل شيء دون أن تتعلّق.
تجوب كل الشوارع وتدخل كل البيوت دون أن تعلَق. تتبع كل الأفكار وتختبر كل المذاهب وتطل من كل الزوايا دون أن تختار.
أن يعدك العالم بموعد النهاية وتشعر ولأوّل مرّة أنه يعرف بوجودك ويشاهد عرضك الأخير دون حكم على جودة الأداء، فلن يشكّل فارقًا.
أن تعيد ترتيب قائمة أولوياتك فمثلًا، ما هو آخر طبق تحب تناوله قبل النهاية وهل تريد الإنضمام لفريق إنقاذ العالم أم ستكتفي بمشاهدته يتداعى. وأن تتلاشى فاتورة الكهرباء من القائمة.
أن تشرع في الكتابة أخيرًا دون الحاجة إلى تحضيرات تبتلع خيالك، وأن توّثق وجودك على أوراق ربما يقرأها أحدهم بعد إعادة الخلق.
ثم تُبعث من جديد ويقصها عليك فتشعر بالألفة كأنك عشت هذه الحياة من قبل.
أن تعود طفلًا صغيرًا مستسلمًا لحتمية ما سيكون … وأن تكون.
ثم ترحل آملًا في العودة في عالم جديد بإمكانات جديدة ونهاية حتمية أخرى تجبرك على الكتابة دون تحضير، وتبشرك بميلاد جديد.
















