نوفمبر
"صباح القشطة يا فؤاد بيه. صباح الفلّ. على فين إن شاء الله؟" – شقة الحرية، غازي القصيبي.
في شهر نوفمبر بدأت قراءة شقة الحرية، بعد حياة في الإدارة ومقتطفات أخرى، آمنت أن غازي القصيبي يستحق أن اقرأ له حتى النهاية. القصة تتحدث عن أربعة أصدقاء من البحرين، ذهبوا لمصر لإكمال دراستهم الجامعية، الرواية عبارة عن قصص وحكايات، وجمل تتوقف عندها وتقرأها أكثر من مرة لأن طعمها حلو! أحب أعيش مع الشخصيات، أشعر بأني عشت مع فؤاد، وقاسم، وعبد الكريم، ويعقوب، وعبد الرؤوف، ونشأت. برغم أني في بداية الرواية اعترضت على اسم شقة الحرية، ووجدت أن أقرب وصف هو شقة الانفلات، وعندي كمية تهزيء كبير للوضع لكن مش مهم، المهم أن القصص سلتني، وأنهيتها في مدة صغيرة.
“فيرشُّ السَّحاب على الأرض رشًّا، ويرسلُه قطرات منفصلة، لا تَختلط قطرةٌ منها بأخرى، لا يتقدَّم متأخِّرُها ولا يتأخَّر متقدِّمها، ولا تدرِك القطرة صاحبتَها فتمتزج بها، بل تنزِل كلُّ واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدِل عنه، حتَّى تصيب الأرضَ قطرة قطرة، قد عُيِّنت كل قطرة منها لجزءٍ من الأرْض لا تتعدَّاه إلى غيره، فلوِ اجتمع الخلْقُ كلُّهم على أن يَخلقوا قطرةً واحدة، أو يُحصوا عدد القطر في لحظة واحدة، لعجزوا عنه.”- ابن القيم.
أستيقظ على زمجرة الصاعقة، ثم قطرات المطر، تهطل بحياء، فتنهمر بكل جرأة، أقاوم رغبة الخروج أو حتى النظر من النافذة فإذا طار النوم .. لن يرجع.
الساعة الخامسة والنصف صباحًا! تأخرت ولم أسمع المنبه، قفزت من السرير، وأيقظت أخي، ارتديت ملابسي على عجلة، وحشوت حقيبتي بالأشياء الموجودة على الطاولة، خرجنا، لتلفحني نسمة هواء باردة، فنظرت للسماء وفكرت مع نفسي "أشرقنا قبل الشمس!" وجدت الساعة تقترب من السادسة، موعدي في السادسة! التفت على أخي، وأنا أقول له "يلا ! ماذا تنتظر!" وهو يرد أنه يجب على مؤشر درجة الحرارة في السيارة أن يصل لثلاث درجات، انتظرنا حضرة جناب السيارة لتسخن، ونفثت أنفاسي بارتياح فلن يتحرك الباص إلا في السادسة والنصف، انطلقنا للجامعة، لو بيدي لخرجت كل يوم في هذا الوقت، جلست أتأمل الشوارع الهادئة، والجو الحلو، الجو الحلو أهم ما في الموضوع، والمذياع يصرخ بأغنيتي المفضلة –التي ستكون الخلفية لفيديو التدوينة-، شعرت بسلام داخلي، جاءتني مكالمة فيديو من قريبتي، تخبرني بأنها ستأتي لرحلتنا وتطلعني على الوضع لديها، توقفنا لبارنيز، وبارنيز فاتح قبل الساعة الثامنة صباحًا ليلبي طلباتنا خصيصًا، هكذا قررت. موقعه استراتيجي، قبل يوتيرن الجامعة بالتمام.
بدأنا السباق بنشاط، تمهلنا في منتصفه، كان يهتف لنا أحد المنظمين من بعيد، ونحن نقابل تشجيعه بالمشي على مهل، وحين اقتربنا منه فقد الأمل وقال "طيب حسسوني أننا في سباق" لم يكن يهمنا السباق بقدر المطر والجو والصُحبة. توقف المطر، وعاد من جديد بشكل أقوى. وخرجنا نتبلل تحت قطراته.
نوفمبر الواجبات والدرجات
دخولنا لنوفمبر يعني اقتراب موعد تسليم الواجب، في هذه الفترة نشكي ونبكي، ونتمنى لو بدأنا بهم لحظة نزولهم، ونتعهد بأنها المرة الأخيرة التي نؤجل الواجبات لآخر شهر، ونعرف على وجه اليقين أننا نخادع أنفسنا.
في هذه المرة، وفي هذا الواجب المنهك، الذي أتوقعه شيء من الاثنين إما أنهم وضعوه ليزيدوا معدل الاكتئاب النفسي، أم أنه كان مخصصًا للفضائيين وبالخطأ وصلنا. واجب قادم من الفضاء. وصلت لمرحلة استلقي على السرير وأستغفر بنية أن تحط الأجوبة من السماء. وحطت الأجوبة فعلًا من السماء.
نزلت درجات الاختبارات النصفية، أيقنت أن الانهيار جزء لا يتجزأ من عملية المذاكرة، وإذا كان جزاء الانهيار الدرجات الحلوة فيعيش الانهيار! الانهيار موقف وجودي بطولي لكل طالب جامعي.
"طيب أيش فايدة؟”
صديقتي من أيام المتوسط ستتزوج، عندما أعلنت عقد قرانها في سنابشات، قفز الجميع يسأل عن المقلب، للآن أشعر أن الموضوع غير حقيقي، برغم أنه تملكتني سعادة هائلة عندما أخبرتني، سعادة لم أتخيل أنني قد أشعر بها بمجرد أن أسمع أن شخص تزوج! ولكن يحق لها، فهي ليست أي شخص. هي أكثر شخص مضحك أعرفه في الحياة، وكذلك أكثر شخص يذهلني، والشخص الوحيد الذي لا يرفع السماعة، وإذا رفعها وجاوبته ب"اس اس السلام عليكم" يرد علي ب" طب اس اس السلام عليكم"، شخص طيب وأخلاق ولا تخلو أي محادثة من ضحكنا المتواصل على حكاية لم تكتمل بعد، صديقتي تستمع لإذاعة 99، وتمر على مقهى يبيع شاي كرك في طريقها للجامعة، وحين تطلب من سائقها أن يأخذ لفة على البحر بعد الجامعة يرد عليها: طيب أيش فايدة؟.
"عندما كنت طفلًا أشاهد الأخبار المخيفة على التلفاز، كانت والدتي تخبرني: أبحث عن المساعدين. ستجد دائمًا أشخاص يساعدون الغير. وحتى يومنا هذا أتذكر حديث والدتي، واطمئن حين أعلم أن هناك أشخاص كثر يهتمون في هذا العالم."
1
أجلس بهدوء فوق سريري، أستمتع بالدقائق اللحظية التي لا أفعل فيها أي شيء، وبالأفكار المبهجة التي لا تتخللها الواجبات والمهام الدراسية، يؤذن المؤذن "الله أكبر" وأسمع صراخ صبي صغير يقلده في الآذان، أكاد أجزم أنه متعلق بالشرفة ويؤذن معه بنفس طريقته، أضحك، ففي كل مرة يؤذن المؤذن، يؤذن جاري الصغير معه.
2
في إحدى الأيام الأقل من طبيعية زرت مكتب البريد لأستلم رسالة من صديقة انترنت، كنت مبتهجة، عدة أشياء في ظرف ظريف ولطيف، في ذلك اليوم تفجرت الألوان في قلبي، الأحمر والأصفر والوردي والأخضر، لم أستهلكهم كلهم بعد، سأحتفظ بهم لأطول فترة ممكنة.
3
تبدأ المحاضرة في الحادية عشر، ساعة الهاتف تشير للحادية عشر وعشر دقائق، توجهت للمرآة، ربطت شعري نصف ربطة، وتحركت باتجاه المصعد، كان ممتلئًا ولكن دخلت على أي حال، من خلفي شخص ينادي "تعالي ادخلي يا مس.." تقدمت الأستاذة وهي تسأل "هل يتسع المكان؟" حين دخلت اقتربنا من بعضنا أكثر لنفسح، وسمعت أحدهم من الخلف يهمس "الوسع في القلوب." ألوان.
4
آخر الأيام كانت مفعمة بالطاقة، فعاليات جامعية نعود منها منهكين لكن متحمسين لليوم التالي، ركبنا الحافلة ويخيّل لي أننا نقفز من شدة الحماس، سائق الحافلة كان كأنه يقود خلاطًا وليس حافلة، قضينا الصباح كما لم يكن، وفي رحلتي الذهاب والعودة كنا نضحك ونغني، فأحيانًا تصدح الأغاني المصرية الشعبية، وفي أحيان أخرى أغاني أفلام الكرتون، وفي كلا الحالتين كان الجميع يغني كأنه يستمع لأرقى الألحان التي وجدت على كوكب الأرض، في خضم لحظات الاستمتاع والنشاط، اقتربنا من الجامعة فصرخت واحدة من الخلف تقول لسائق الحافلة: خذ لفة كمان.
موسيقى وتلفزيون
Million Pound Menu
تنتابني متعة غريبة حين أشاهد برامج الطبخ، لم أعتقد أني قد أحب برامج المسابقات، ولكنها حطمت توقعاتي، لم أستمتع فقط بمشاهدة الأكل وهو يطبخ ولكني استمتعت بتجربة الضيافة، وطريقة إدارة العمل (بيزنس)، حتى أن إحدى الحلقات ساعدتني بأداء واجب، مزيج وخليط يجعل البرنامج لا يقاوم بالنسبة لي.
أغاني هذا الشهر لا أعرف بالضبط ماذا أحب بها، ولكن أحب صوتها، وعزفها، وسماعها.
Hold The Line – Toto
قائمة بها كل الأسباب التي قد نتصور أنها سبب حبنا للشخص ولكنها ليست سوى جزء منه ومن حديثه ومن أفعاله ومنه. حتة منه. قرأت أن أحد أعضاء الفرقة انسحب منها وقال في تصريحه أنه انسحب كليًا، وأكّد أنها لن تكون مدة قصيرة، فقد مل من غناء هذه الأغنية، فهو الآن في الخمسينات وليس في التاسعة عشر. وتصريحه مضحك قليلًا.
Looking Up Looking Down
موسيقى البداية، وطريقة الغناء مهدئة، أشعر كأني في حوض بركة أغطس ببطء، حتى ألمس القاع.
اقتربنا من نهاية نوفمبر، أحداثه طويلة جدًا، مزيج بين الحلو والمُر، في نهايته أقدِّر أبطاله، وإذا هنالك شيء تثبته لي الحياة فسيكون الاحتفاظ بالعلاقات الطيبة. شهر وانتهى، سأسلم الواجبات الفضائية اليوم، وسأحتفل بتسليمه، سأبدأ بالاستعداد للاختبارات النهائية وربما أكتب عنها، وسأواصل البحث عن أغاني أحب صوتها في أذني، ومتابعة حلقات برنامجي، سأحضر ملكة صديقتي، وأعيش كشخص عشريني جامعي طبيعي يفتش عن المواقف الوجودية البطولية في حياته. وكل سنة ومواليد نوفمبر(ملهمين هذه التدوينة) بخير.
تجربة تدوينة مختلفة قليلًا، كيف كان شهر نوفمبر معاكم؟
ويكند سعيد.















