توهان الحقيقة بين صراع الأجيال
تتوه الحقيقة عندما تكثر وجهات النظر حول موضوع معين, عندما تكثر الحقائق و معها الأكاذيب, عندما تكون السيطرة على العقول الغاية و تبرر في سبيل ذلك كل الوسائل. لكل منا قصته عما حدث في يناير 2011, كلنا عشنا تلك الأيام, بعضنا ايد التظاهرات و البعض عارضها, بعضنا شارك و آخرون اكتفوا بالتشجيع, و لكن لا يستطيع احد أن يخبرنا ما الذي حدث بالفعل و انما يخبرنا فقط بقصته و وجهة نظره. لقد تطورت الأحداث بشكل عجيب منذ ذلك الحين, اثناء تلك الفترة كانت الحقائق و الأكاذيب تنتشر على حد سواء حتى ظهر مؤخراً الادعاء القائل ان ما حدث لم يكن ثورة و انما مؤامرة خططت لهدم البلاد, و لاقى هذا الادعاء القبول عند الكثير من أنصار الرئيس الأسبق و نظامه, و كيفت قصصهم عما حدث نفسها لتتناسب مع هذا الادعاء, و ادى هذا للاختلاف حول ماهية تلك ال18 يوما و الانقسام الى فريقين, الأول - في اعتقادي – تتكون أغلبيته من الشباب و الأفراد الذين شاركوا بأنفسهم في الأحداث, و هؤلاء يرون انه لا شك في كونها ثورة قام بها الشباب الذين كانوا يحلمون برؤية بلادهم في وضع مختلف. ما اريد التحدث عنه هو الفريق الثاني الذي ارى ان اغلبيته تتكون من المواطنين فوق الاربعين سنة و من لم يشاركوا في الأحداث و اكتفوا بمشاهدتها في الشاشات, و هؤلاء يرون انها كانت مؤامرة تم انقاذنا منها بحمد الله, مستندين على بعض الأدلة التي طرحها الاعلام, و لكن دعونا نفكر قليلاً, ما الذي يدفع هذا الفريق الى تبني هذه النظرية سواء كانت حقيقة او اكذوبة؟
عندما ننظر الي المسألة بشكل مختلف نجدها اختلاف بين جيلين او اكثر, جيل الآباء و الأجداد و اصحاب السلطة, و جيل الأبناء و الشباب و الذين تمارس عليهم السلطة. يحب الآباء ابنائهم, و في الحب يحب المحب ان يتحكم في محبوبه, يحب ان يحس ان محبوبه في احتياج اليه و لا يفعل شيئاً بدون طلب العون, و عندما يصنع المحبوب شيئاً كبيراً بمفرده – كأن يقوم بثورة مثلا – يصعب على المحب تصديق ان محبوبه استطاع القيام بذلك بمفرده, و ما ان يجد من يخبره ان محبوبه لم يقم بشيء بمفرده و لم يقم بشيء اصلاً حتى تلاقي الفكرة عنده القبول المنشود. يخبر الآباء انفسهم انهم يسعون ليروا ابنائهم قادرين على تسلم الراية و لكن هذا لا يحدث حتى يفكروا مثلهم و يتكلموا مثلهم و يتصرفوا مثلهم. ليس مهما من المصيب و من المخطئ, ما يهم حقا هو من يحترم حرية الآخرين في الرأي؟ من يتناقش نقاشا حضاريا؟ من لا يرى ان رأيه هو الحقيقة و رأي الأخرين اوهام؟














