"تقف القطط جميعها على طرف من طرفي علاقة واحدة مع الجميع، بشر، قطط، أو أي حيوانات أخرى. إنها علاقة الأمومة."
أول عهدي بالأمومة الحقيقية، بكل ما فيها من صبر واهتمام ورفق، كانت مدرسة الموسيقى، ميس عبير. بعدها رحلت لأنها كانت منشغله بطفل جديد كنت أغبطه. وكانت مدرسة الموسيقى الجديدة فظة ولا تعرف الرفق، صوت عال، وامرأة على حافة الحرمان من ابنيها. كنت أتهرب من التدريبات، وكنت أمتنع عن كل شيء معها. واستمر البحث. فكانت الأم التي خلقتها داخلي. كانت لدي صورة عن الذات أنها نسخ مختلفة مني، الطفلة الصغيرة التي لا تعلم أي شيء عن الحياة، والطفلة التي تعي بعض الأشياء ويشغلها الاكتشاف والفضول، والمراهقة التي تحاول الاندماج مع الجميع، وخلق فرص جديدة بعد إخفاقات متتالية في الانتماء والفشل في بناء أي شكل من الصداقات. وكانت لدي صورة عن العشرينية التي سأكون عليها، والثلاثينية التي رفضت الزواج طوال حياتها حتي تتزوج من رجل تختاره بنضج، والعجوز التي تشبهني، كانت تعرف كل شيء، وكنت ألجأ إليها في كل شيء. فهي التي أخبرتني أن قصص الارتباط التي تبدأ في المدرسة لا عمر لها، لم أخبرها حقًا أني كنت أراني من الأساس لا رغبة لأحد بي. ومع الوقت والصخب في الجامعة والفرصة في خلق صورة جديدة بعد أكثر من عشر سنوات من العزلة في مدرسة لا مكان فيها للاختباء، بدأت في أرسال رسائلي إلى مريم العذراء، لا سبب محدد لذلك. وكانت كتاباتي إليها تبعث على التصديق بأنني بالتأكيد أود الانتقال إلى الكنيسة. والحقيقة أنني كنت ومازلت أحب الكنائس وهي السبب في ذلك بشكل كبير. كانت صورتها لدي الأم التي تتحمل كل شيء من أجل ابنها، والأم التي تتحمل الألم المضاعف، وكانت وحيدة، لا يصدقها أحد، ويتهمها الجميع بكل شيء. ورغم ذلك صامت عن الرد. فكان صمتها أقوى من أي دفاع ممكن في نظري. وجميع الأمهات اختفت تمامًا حين دخل أحمد إلى حياتي. حتي إنتهت السنوات الثلاثة الأولى، وظهرت مارينا. وهي حتي الآن الصورة الأقرب لقلبي بصراحتها الفجة وبساطتها وسلامها وصخبها في الوقت ذاته. فمارينا امرأة تنمو وتدع الجميع يكبرون في حضورها. فهي أم بكل ما يعنيه المعني داخلي.
عرفتها من صورة "الرتم صفر" التي انتشرت عن عرض لها، وكتب الجميع أنها تجربة علمية، في حين أنها عرض أداء حي حاضر. بحثت عنها، وحين عرفت عنها، حكيت لأحمد عن حقيقة العرض. طاولة عليها أربع وسبعون أداة للمتعة والأذى؛ وردة، ريشة، سكين، مسدس به رصاصة وحيدة، واقي ذكري، مقص، أقلام، سياط، زجاج، حبوب منومة، سجائر، وغيرها. وعلي بعد خطوتين تصريح كتابي بأن أي شخص يمكن له أن يفعل بها أي شيء خلال الأربع ساعات مدة العرض، ولا مسؤولية علي أي من يفعل أي شئ. كان معجبا بما تفعل حتي احتقرها بشدة فقط لأن وسط كل ما وضعت علي الطاولة واقي ذكري. وكأن كل ما عدا ذلك مقبولًا وعاديًا بما فيه ما يعرضها للخطر. ما يهم، أن مارينا بقيت ومازالت أقوى أمهات الفانتازيا داخلي. فوجودها يبعث قوة غير عادية. حياتها كانت صعبة للغاية، أمها كانت توقظها وسط الليل كي تعدل من وضعية نومها. وأمي كانت توقظني كي تكلمني في أمر هام، لماذا تركت غرض ما في غير مكانه، مثلًا. أمها كانت تصفعها حين تعبر عن رغبتها في تعديل أنفها، وأمي كانت تعدل من كل شئ حسبما تريد، كأنني شئ ، لا رغبة أو إرادة لي. وهذا يثير الغضب داخلي.
لا مهرب من أجسادنا سوى الموت، والشخص الذي هربنا منه مره، نشبهه في المرآة رغمًا عنا.
بالطبع كانت هناك الأم البيولوجية والتي لم أعتبرها أبدًا أمًا لي. بالعكس أرفض ذلك، وطالما تمنيت موتها، تمامًا كما يتمنى السجين موت سجانه. كانت لي منامات أراني فيها أحمل الدم على يدي، أكتب كل ما قيل لي قبل النوم وما يقال لي كل صباح على حوائط المنزل الممنوعة حوائطه من كل شيء، لأن البيت إيجار، وسنتكلف ثمن ثقوب الحائط وعلامات الحائط. ولا أعلم لماذا يؤجر شخص ما بيتًا فارغًا يكرهه أكثر من عشرة سنوات. كانت بخيلة في كل شيء عدا الطعام والشراب. كان البيت لا يخلو من الطعام والحلوى، لكنه كان يخلو من الود والاحترام وأي شيء قد يمتد منهما. كل يوم كانت تكرر عليّ "انتي مبتحسيش" فكنت بالفعل أخاف التعبير عن أي مشاعر تجاه أي شيء. حتي في خضم المشاكل والضرب والشتائم، حين كنت أنهار، كانت تؤكد لي أن "الحركات دي" لن تفيد معها وأنها لن تتأثر. ربما كانت تظن ذلك لأنها تبكي حينما تريد دون شعور بالفعل.
كنت ذات السبعة عشر حين قرأت للمرة الأولى تعبير Toxic parent
وكنت ذات الأربعة عشر حين تعرفت على child abuse
لا اتذكر لها شيء من ود، سوى مرة حقيقية فعلًا، أو ربما ذلك كان من تأثير الأمل الزائد. كتبت عنها في مدونتي التي مسحتها إثر توبيخ من أحمد. كان علي شراء نظارة جديدة، فنزلنا لمحل قريب، لكنه بالرغم من أنه مفتوح ، كانت أبوابه مغلقة، وقال عابر ما أن صاحبه سيأتي في خلال دقائق. جلسنا وقتها على السور ننتظره، لا أتذكر فيم كان الكلام، لكن إتذكر ضحكي و دهشتي والأمل المتجدد في أن تتجسد أم حقيقية، لاسيما لو كانت من أحمل جيناتها.
كانت تتحول تمامًا في غيابه الطويل، حين ذهب إلى الحج، كانت ألطف بعض الشيء، أو ربما رأيتها كذلك لأنه كان لدي بعض الأمل في ألا تكون أمي شخص وهمي أكتب له الرسائل كلما أواجه شيئًا يصعب عليّ فهمه.
وكأن كل ما ورثته عن رحم بلا أم، ضيف بلا وجه.
منذ عام، كانت الزيارة الأولى لطبيبة النسا. زيارة ثقيلة أهرب من تكرارها رغم ضرورة ذلك. فقد ورثت عن خيط طويل من الأذى ورم ليفي حميد، لا خطر منه. حتى الآن. وباقي الخيط أطول. باقي الخيط فقد وألم محتمل. حمل جسدي عن تاريخ متوارث من الأذى ما هو أكثر من ذكريات. أحمل الأذى ولا ألده. ولا أعلم إن كان الضيف إبن الأذى في بيت الأذى أم خارجه. أو أن الأمر أعقد من ذلك.
في المنام أرى أذرعي مكررة ووريد نظيف، مقطوع، موزعًا على أطباق جاهزة للأكل في مسابقة للطبخ.
تحاول طردي في المنام من البيت القديم، وأبحث في دولابي القديم علي شيء ما قد يلهيها عن ذلك.
يجلس "جاك بيرالتا"، الشخصية المفضلة لي في "بروكلين 99"، يسألني "عارفه البوتجاز بكام؟ طب عارفه انا اشتريت كام بوتجاز في حياتي؟ تلاته"
صباح كل يوم تناديني القطة من خلف الباب، فأتساءل هل تخليت عنها بذهابي إلى العمل، جلوسي بالخارج؟
في كل مرة افتح الباب تمر وحين أدخل تلاحق أقدامي لتنام عليها، كي لا أرحل عنها مجددا.
في اليوم الأول نامت "قشطة" على رجلي طوال الطريق، وكان هذا غريبًا من قطة لم تبلغ الشهرين بعد.
عبد الفتاح يظن أنني اخترتها لأن في الأغلب كان من الصعب علي صاحبها ييع قطة صغيرة ذات شعر قصير، بنية اللون ولا انتظام للبقع الذهبية والبيضاء فيها. قد يعتبرها البعض قبيحة. لكن الحقيقة أنني كنت أبحث عن قطة رمادية طويلة الشعر، وحين ذهبت لأختار كانت هي الوحيدة التي تعبث بحزام النسناس المربوط في قفصها، فشعرت أنها قطتي دون أسباب واضحة.
منذ أن سكنت، وحيدة الغرفة الزائدة ببيتي وأنا أتركها طوال اليوم، لها يومان تناديني أقل وأزورها أقل مما سبق، وتراودني أفكار بإرجاعها لصاحبها أو إهدائها لصديق، فأنا غير موجودة أغلب الوقت، وحين أزورها كل ما تريده رفقتي أو طعامي وأشعر أنني أظلمها كل يوم بغيابي. بالأمس نسيتها، حتى نادت على لأطعمها.
هل انا أم سيئة أم أنني لست جاهزة؟ الطريق إلى الأمومة طويل علي وأخاف أن يفوتني فأندم.