كم مرّ من الوقت؟
من منا يدرك خط البداية في مهده، بعد وقت نعيد تشكيل البدايات، هنا وقعت المزهرية من على الطاولة، وتناثرت الورود على الأرضية، ثم بدأ روميو في التقاط الزهرة الأولى نحو جوليت، عيناهما تلتقيان في عناق الأبد الأسطوري. وهكذا بدأت الحكاية، سينمائية السرد، متطرفة الإيقاع، لكن لا يقع البشر في الحب هكذا. الحب يحتاج إلى أكثر من مصادفة، من نظرة عين، من قراءة كتب الغرام عن الحب من أول نظرة... لا يهم؛ لأنه كيفما بدأت الحكاية، لا أحد يتذكر اللحظة الأولى، ربما المشاعر الأولى، لكن لا أحد يتذكر كيف بدأت الفرحة. والمفارقة أننا نتذكر جيدًا كيف كانت النهاية، لأن الإنسان يحب أن يخلق المعنى..
2 صرعتني الحياة، قتلتني اليوم خمس مرات بعدد الصلوات، قتلتني أمس مرتين بعدد حروب العالم كما حددها التاريخ، وتركت قلبي كافرًا، ملحدًا، بالكلمات، بالصدق، بالعاطفة، لم أفعل هذا بل الحياة. صدقني، أردت أن أكمل بجوار من أحببت بصدق إلى المنتهى، لكن عشاق كتير أتقابلوا عادي مكملوش. صدقني، منذ عشر سنوات كنت أظن أني سأموت قريبًا بالجسد، ولم أكن أعلم أن الروح كانت تحتضر لمستواها الأخير. قرأت الفلسفة، وأهملت الشارع، ففتك بي الواقع، قرأت التاريخ وأهملت الغد، فهرب مني الحاضر. أنا اليوم مثلكم، أؤمن بكل ما كفرت به، أؤمن أنه بالحقيقة ليس للإنسان إلا يومه وبيته، والروتين الذي يجب أن يقتل نفسه بداخله. ليست العاطفة والاندفاع ملجأً في كل الأحوال، لأن الكلمات أصغر من الدقيقة، وأكبر من الساعات.
3 كم مرّ من الوقت؟ وما أهمية الوقت؟ كم أنهكني السؤال، يقطر سؤالًا، وأنا أعلم أنني لن أصل إلى شيء يرضي قلبي؛ فأترك للعقل مجاله الحيوي للنجاة. يخبرني العقل أن أنساك، وأنا لا أريد أن أنساك. أتمسك بأهداب الذكرى، أصادق الليل، وأعيد تشكيل الماضي بلون عينيك. كل استثناء في حياتي كان لكِ، وحدكِ أنتِ. لم تسعفني البلاغة، لكنني أخبرك بعفوية أن قلبي لا يزال يمتلكك، لا يزال يرى أن حبكِ لآخر خيانة، ويمنعني عن الأخريات، لأنهن خيانة لكِ. يعلم أنكِ تخشين أن تريني مصادفة برفقة غيرك، كما أنه يخشى أن يراكِ مصادفة برفقة غيري. لا أعلم ما هذا، إلا أن هناك جذوةً في قلبي تنتظر نفحةً من أنفاسك، من صوتك، من رؤياكِ، من تلميحاتك، ولو في أغنية شاركتِها في لحظة ضعف، تُفهم أن غيابي أحزنكِ. أعلم أننا سرنا نحو المستحيل. فرّقتنا الآلهة، وضعفي، وشكك، رغبتي في إثر رغبتك، والأيام التي ذابت في ذيل السنين. كل هذا مرّ، ونحن نعلم النهاية منذ البداية، أننا لسنا لبعضنا. لكننا صدقنا، ولو لحظة، أو يومًا، أو شهرًا، أو سنة، أن أجسادنا تستحق عناق بعضها، أن أرواحنا عطشى للمزيد من الحديث… والخلاف. أن السماء تستحلفنا بالذي كان، أن نظل ليلة أخرى في حراسة نجومها، كأنها البداية، كأنها النهاية، كأن كل شيء لنا. ولكننا استسلمنا لإرادة الآلهة. فرّقتنا الإيديولوجيا. ومن شدة حبنا، تطرفنا في خلافنا. من نحارب، يا حبيبتي؟ وماذا نثبت في خلافنا، إلا أننا نستحق تلك النظرة الأولى، وأننا استثنائيون في عيون بعضنا؟ كنا نريد كلاً منا في معقل الآخر. لا نريد الهلاك لكِلَينا، وفي أنانية بريئة أردنا أن نكون معًا… لكننا لن نكون. رحلنا، يا حبيبتي. رحلنا، يا حبيبي. هل لا زلتِ هناك؟ – نعم. وأنت؟ – وأنا..؟!













