إلي عزيزتي إسراء أكتب:
رغم فرق السن بيننا الذي يقارب الخمس سنوات وهو فارق ضئيلُ جدًا لا يكاد يُذكر،إلا أنه يوضع في الحسبان عندما يكون بين الطالبة والأستاذة التي حررت طالبتها من قفص الغضب إثر التجارب القاسية،عندما تتحدث إسراء عن الموت والحياة أستطيع أن أتفهمها وعندما تتحدث عن تجربتها كإبنة لأب يمتلك أربعة من البنات أشعر بما تشعر به من سلطة وتسلط،وعندما أرسلت لها كتابة شديدة الخصوصية قالت لي إننا نتشارك الكثير أكثر مما توقعت،لم أتوقع للحظة أن أُعبر عما يدور بداخل صديقتي المُختلقَة في رأسي فقط،رغم وجودها الحقيقي والملموس،إلا أنني لم أتجرأ لوهلة بأن أقدم نفسي لها كطائر حررته هي بكلماتها الصادقة وشجاعتها التي لا تخشي أحد،تكمُن شجاعة إسراء بالإعتراف بالخطأ والخطيئة،بالضعف والحب وأخيرًا الألم،كنت أشعر بلذعة تنتاب قلبي وجلدي عندما أقرأ لها اعترافاتها بتجربتها كإنسانة تحمل بداخلها كل الأشياء ومضاداتها لكنها تنتصر فقط لنفسها أو علي الأقل لما تراه يخدمها كإمرأة حرة حتي وإن مرت السنون وظهر أخطاء تلك الاختيارات،إلا أنه حينها كان حدسها بالأمور التي تفعلها صادق ينبع من بئر العطاء لا الحرمان،فلم تجعل الحياة من إسراء فتاة أشرس وأعند بقدر ما جعلتها أخف وأرق وأكثر انتصارًا للإنسان.
إلي إسراء التي شاركتني تجربة موت شديدة الخصوصية والألم،في كل مرة أقرأ فيها النص التي تُناجي فيه رفيقتها التي تركتها علي عتبة الموت المفاجئ والغير مُعد له،حينها أتذكر أختي عندنا قررت الذهاب فجأة بلا عودة،أشاركها الألم وتُشاركني الكلمات،وتشاركنا نحن الاثنين في خطيئة المواجهة .
وللمصادفة القدرية تتشارك كلتانا في دوائر الغضب التي شكلتنا وشكلت شكل الحياة التي نحن عليها الأن،الغضب الناشئ من ذكورية المجتمع والأسرة قبل كل شئ،واللوائي يضعنا في حيز الزواج والإنجاب فقط لجريمة لم نرتكبها لكوننا إناثًا.
أحيانًا أبحث في الكتب التي أقرأها عن المواساة وهذا ما دفعني للقراءة وولعي بالكتب،لكن قلما وجدت نفسي كما وجدتها في نصوص إسراء،فهي بغض النظر عن أنها تستطيع أن تشرح ما يكمنه صدري فأستطيع أن أُنفَسُ عنهُ،إلا أنها تختار مثلي الطرق الأوعر،تختار أن تكون شجرة جذورها قوية،أوراقها خضراء،تحتضن العصافير وتُظلل برقتها وعطاءها حيوات كثيرة لبشر كثيرين،فنتشارك في إختيار الطريق الأوعر لكنه الأثمر والأنفع من وجهة نظرنا علي أقل تقدير.
وسيظل وصفي لإسراء بأنها المرأة التي حررتني-بغضبي وحزني وجُرحي وحُبي المسلوب مني علي قارعة الطريق-ففتحت لي القفص،وداوت أجنحتي الدامية بكلماتها وشجاعتها،وعلمتني التحليق في سماء الكتابة،علمتني أن أواجه غضبي بالكلمات وبالإعتراف بالفشل والألم والحب المُتخاذِل علمتني أن أطير وأن أفتح القفص لأخرين مثلي فيجيدون نفسهم في كلماتي،حتي هي الأخري وجدت بعض أشيائها في تلك الكلمات المنطلقة من عصفورٍ قرر أخيرًا أن يُحلِق.
إلي إسراء أقول:شكرًا









