عاشقي الألغام
أعارض بشدة من يقول أننا في ثورة يناير كسرنا الشرطة، فإننا إن كسرناها فنحن نكسر جزءاً من الوطن. نحن لم نكسر الشرطة بل كسرنا فساد الشرطة. من حملوا وزارة الداخلية على أكتافهم قبل الثورة هم من يحملونها على أكتافهم بعد الثورة، أما من دون ذلك من الفاسدين والمرتشين والمغيبة عقولهم فإن ولائهم -ويا للعجب- لمن يضرهم ومازال يضرهم. يقول المنطق العام انك ان قادك القدر -وأشياءٌ أخرى- إلى الدخول في حقل ألغام، فإن انفجر إحداها في وجهك ولم يقض عليك؛ فتتعين عليك العودة أدراجك حتى لا ينفجر بوجهك لغم آخر، لا أن تستمر في التقدم في نفس الطريق الخطر الخاطيء. هكذا يقضي العقل والمنطق وأبسط درجات الحكمة. لكن ماذا عمن يستمر في التقدم اللاعقلاني غير مبالٍ بأذيته لنفسه ولغيره؟.. هذا بالضبط ما فعله جهاز الشرطة ولازال يفعله. في عهد ما قبل الثورة، أوحى مبارك إلى شرطته أن افعلي ما شئتي ولكِ وحدك الأمن والأمان، افعلي أيتها الشرطة ما ترينه مناسباً غير عابئة بدستور ولا قانون، فأنا -أي مبارك- القانون وأنا الدستور. وقد تم. إلى أن زُلزِلت الأرض من تحت أقدامهم في صبيحة يوم الخامس والعشرين من يناير 2011 في صرخة شعبية أن نحن الشعب وأن لا ظلم لنا بعد اليوم. اتجهت الأنظار وقتها إلى جهاز الشرطة وكيفية تحرك وزارة الداخلية بأوامر أبو الطغاة وأعوانه، فكانت أن جاءت الصدمة بأن تبرأ منهم كل قريب وبعيد. تُركت وزارة الداخلية لتواجه مسؤلية أفعالها ولتتحمل وزرها ووزر من دفعوها لنسيان الآدمية والقانون، القانون الذي يُدّرَب عليه رجال الشرطة في العالم بأن احفظ القانون يحفظك، تُرِكوا ليكونوا كبش فداء أو كما يقول القول الدارج "يشيلوا الليلة"! إذاً وبعد انفجار هذا اللغم الكبير، فإن من الطبيعي أن تعود الشرطة وولائها للدستور والقانون، ولاءٌ للوطن وليس لمن يدير شئون الوطن، ولكن هذا لم يحدث. ففي عهد الرئيس مرسي، انقسمت الشرطة إلى ثلاثة أقسام، قسم كبير يدين بولائه للنظام القديم، وقسم صغير يوالي النظام الجديد، وقسم أصغر ولائه للوطن تاه بين أشواك القسمين الآخرين. اضطرب الأمن لشبه انعدام من يحميه، وضاعت حقوق كثيرة، ولكن في وسط هذه المعمعة فرض سؤال نفسه على أن يُطرح، فتلخص السؤال بكل بساطة في كلمة واحدة ألا وهي: "تاني؟!".. فكان حقاً أمراً عجيباً أنه بعد الدرس الأول في إدراك أنه لا يوجد نظام سياسي حامٍ ومنيع يمكنه أن يحول دون الشعب ومن قام بتعذيبه، ناهيك عن أن يقوم هذا النظام أو ذاك بالدفاع عن الشرطة أو التضحية من أجلها، إذاً فلماذا الاستمرار في السير في نفس حقل الألغام؟! وأخيراً وليس آخراً، ما نعانيه منذ الثالث من يوليو 2013 وإلى الآن، ما نعانيه هو على أقل تقدير عشرة أضعاف ما كنا نعانيه في عهدي مبارك ومرسي مجتمعين، نعاني من تحمية الشرطة للغمها الثالث الذي سيؤذيها ويؤذينا حينما يتخلى عنها للمرة الثالثة من يصدرها للمشهد ويستخدمها لتعزيز قبضته ومن ثم يُلقي بها في غيابات تحمل المسؤلية والأوزار. لطالمنا سمعنا من رجال شرطة، قيادات ورتب مختلفة، عن أن الشرطة مظلومة، وأنا أتفق تماماً معهم، ولكن دعونا لا ننسى أن أكبر ظالم للشرطة هي الشرطة نفسها بظلمها لنفسها وللآخرين.. فهلا عادت شرطتنا إلينا؟ حازم فريد twitter: @Hazem_Fareed













