يا نفسي…
أشعرُ أنّ صدري بئرٌ عميق، يتردّدُ فيه صدى الخيبة حتى يصيرَ صوتي غريبًا عنّي. أمشي وفي قدميَّ غبارُ أعوامٍ لم تُنصفني، وأحمل على كتفيَّ أسماء الأحلام التي انطفأت واحدةً تلو الأخرى، كأنّ الليل يختبر قدرتي على البقاء بلا نجمة. أقول إنّي “لا شيء”، فأسمع الجملة تتمدّد في داخلي كالظلّ، تُطفئ ما تبقّى من دفء، وتفتحُ بابًا موصدًا على بردٍ قديمٍ لم يزل. كلّما حاولتُ أن أشرحَ لنفسي أنّ السقوطَ مجرّد درس، وجدتُ قلبي يجيب: “لكنّ الأرض أقسى ممّا ظننا.” كلّما التفتُّ نحو الماضي، رأيتُني أتدلّى من حوافّ التجارب، أعدّ خساراتي بأصابعَ مرتجفة، وأتظاهرُ أمام العالم أنّني صلبة. والحقيقة أنّي هشّة؛ تكفيني كلمةٌ صغيرةٌ كي أتكسّر، ونفَسٌ متعبٌ كي أتلاشى على هيئة صمتٍ طويل. أنا تلك التي جلست طويلًا إلى نافذةٍ بلا منظر، تراقبُ الغيمَ وهو يهرُب، وتظنّ أنّ الحظّ يعبرُ الشوارعَ التي لا أصلُ إليها. أكتبُ لنفسي رسائلَ لا تصل، وأحشو الفواصلَ باعتذاراتٍ متأخّرة. في المرآة أرى وجهاً يعرفُ كلَّ مخارج الفقد: كيف يبتسم كي لا يثير قلقَ أحد، وكيف يخبّئ رجفته في كمّ الثوب، وكيف يقول “أنا بخير” وهو يتعلّمُ المراوغةَ مع الدموع. وإن سألتني: لِمَ كلُّ هذا العُتمة؟ أقول: لأنني جرّبتُ أن أكونَ خفيفةً على الحياة، فكانت الحياةُ ثقيلةً عليّ. جرّبتُ أن أطلبَ القليل، فجاءني الفراغُ كاملًا. جرّبتُ أن أدفنَ وجعي في الضحك، فكبرَ الوجعُ في الغياب. أنا التي تمشي بين الناس ولا أحد يلاحظ أنّ خطواتها ليست خطوات، بل محاولاتُ نجاةٍ متقطّعة ومع ذلك—وهذا “المع ذلك” آخر ما تبقّى لي—هناك جمرٌ صغيرٌ لا يعرفُ كيف ينطفئ، يختبئُ في قاعِ قلبي كسرٍّ طفوليٍّ عنيد. لا أسمّيه أملاً كي لا أخونه، ولا خلاصًا كي لا أكذِب، إنّما أسمّيه عادةَ التنفّس: أن أرفع رأسي قليلًا حين يثقل الهواء، أن أُتمّ جملةً واحدةً دون بكاء، أن أفتحَ النافذةَ لعلّ نسمةً تضلّ طريقها إليّ. سأتركُ حزني يُتمّ مراسمه دون تجميل، وأمنحه حقّه في الظلام، ثمّ أحرسُ نفسي من الانقراض. فإن كنتُ “لا شيء” اليوم، فسأكونُ—غدًا أو بعد غدٍ—ذلك “الشيء الصغير” الذي لا يُرى من بعيد، لكنه يعرفُ كيف ينجو: خطوةً بطيئة، وصوتًا خفيضًا، وقلبًا يتعلّمُ من الكسور فنَّ الترميم. وحتى يأتي النور—إن أتى—سأصادقُ العتمة، وأكتبُ اسمي على جدارها بخطٍّ مرتجفٍ وواثقٍ في آن: أنا هنا… وإن لم يَرَني أحد
العاش.











