كَلِمَة السِّرّ ..
مسافة الألف الميل تبدا بخطوة، والصُّعوبَة في الغالِب تَكمُن في الخُطوَة الأولى، فإذا انطلقتَ بعزيمَة وإرادَة وتَخطيط ورَغبَة واستمرارِيَّة وانضباط ؛ بَلَغتَ غايَتَك بإذن الله، أو تعَلَّمتَ شيئا عَظيمًا، وبَلَغتَ مَقامًا رَفيعًا لَا يُمكِنُ بُلوغُه إلَّا مِن خلال هذه الرِّحلة. وإذا فاتَكَ مَا كُنتَ تَرجوه فتِلكَ لَيسَت نهايَة العالم، والحقيقَة أنَّه لَم يَفُتكَ شَيء ! ومَا لَم تَنَله -رغمَ اجتِهادِك وسَعيِك لتَحصيلِه- لَيسَ مَكتُوبًا لَك ولَيسَ مِن رِزقِك ولَم يُقَدِّره الله سبحانه لك .. فارضَ بقضائِه وقَدَرِه وحُكمِه، لأنّه سبحانَه أَعلَمُ بالأصلَح والأنسَب لك، ومَن رَضِيَ فله الرِّضا. واعلَم أنّ أمرَك كلّه خَير، وأنَّ اختيار الله سبحانَه لَك خَير مِن اختِيَارِك لِنفسِك .. فاهدَأ إذن، وكفاكَ حسرةً وقَلَقًا !
كفاكَ حسرةً وقَلَقًا واستمرّ في المُحاولَة، واسلُك مَسلَك "الانضباط" ! هذه كلمة السّرّ، لكن ما الذي يَجعَلُ الانضباط مُهِمًّا ؟؟
الانضباط يعني التّحكّم في النّفس وعدم الخُضوع لها، والسّيطرة عليها وتدريبها على إنجاز المَهام لأنّ الضرورَة تَقتضي ذلك وإن كان هذا خِلاف رغبَتِها، الانضباط يعني اتّخاذ القرارات الصّحيحة والمنطقيّة باعتِبار الصّحيح والمصلَحَة وإن كانَت مُخالِفَة لأحاسيسِنا وعَوَاطِفِنا، الانضباط يعني الواقعيّة وحُسنَ التّخطيط وإتمام العمل لأنّ هذا هو الواجب والمَطلوب.
الانضباط والالتزام هذا الذي تحتاجُه ! أمّا مَوضوع انتظار الشّغف والحافز والرّغبة وغيرها من عبارات فهذه مُجرّد مسوّغات لتأجيل العَمَل إضافَة إلى أنّها مُحَرّكات مُنتهية الصّلاحية، لا قيمَة لَها ما لم يَنطَلق الانسان ويبدَأ.
نعم ! الانضباط هو الأصل وهو الدّافِع الحقيقيّ إلى الاستمرار والصّبر ومواصَلَة السّير وإن غاب الحافِز .. وبالمُثابَرَة والمُجاهدَة والصّبر على المكارِه ؛ تتحقّق النجاحات والإنجازات وبها ستَتقدّم تَرتقي !
فَإِنَّ كلَّ إنجاز عظيم يكون طريقُه صَعبًا ومحفوفًا بِالمَخاطر والمَكارِه والعقبات والمُثَبِّطين وأعداء النّجاح، إضافَة إلى كَونِه طريقًا مُوحِشًا. لكن ! بِالبدايات الصّغيرة تَكبُر، وبالعَثَرات والفشل تتعَلّم وتَنمُو، وبالتّجارِب والمُمارَسَة تَنال الخبرة وتَتطوَّر وتَتحَسّن.
جَرِّب ! كفاك تَرَدُّدًا وخَوفا .. جَرِّب ! وافشل أين الإشكال ؟ أنتَ ناقِص فلَا تسعَ للكمال لأنَّ هذا مُحالٌ، ولكن جرِّب واجتَهِد، واسعَ لِتزكية نفسك وتَنمِيَتِها وتَطوِيرِها -ما استطعتَ- بِشَكلٍ تَدريجيٍّ لِبُلوغِ أفضَلِ نُسخَةٍ مِنكَ ظَاهِرًا وبَاطِنًا. افشَل وابدأ مِن جديد، فالبداية ستكون مِن النّقطة التي تعثّرت فيها وهذا يعني أنّك قَد تَقَدَّمتَ، إضافَةً إلى أنّك ستَتعلّم ولَن تُكرِّر نفسَ الأخطاء .. والفَشَل مَرحَلَة مِن مراحِل النّجاح التي لا بدَّ مِن المُرورِ مِنها. جَرِّب ! واعلَم أنَّك ستتَعَثَّرُ وستَتَعَبُ خلال هذه الرِّحلَة الشَّاقَّة والطَّويلَة -ولكنّها مُمتِعَة وتَستَحِقُّ هذا العَناء-، لذلك ؛ إذا تَعَثَّرتَ، لَا تَستَسلِم ! انهَض مِن جَديد وأَكمِل السَّيرَ، وإذَا تَعِبتَ فلَا بَأسَ بالتَّوَقُّفِ لِأخذِ قِسطٍ مِن الرَّاحَة واستِجمَاع القِوى للانطِلاق مِن جديد.
جرِّب ! فذلك خَير لك مِن النّدم على عدم التّجريب والحَسرَة على تضييع الفرَص والخجَل مِن المُحاوَلَة، فتردُّدُكَ وتراجُعُك حائل بينَك وبين الاكتشاف وطَرق أبواب جديدة والسّير في طُرُق أفضَل وأنسَب. جَرِّب فالخوف الذي يُسَيطِرُ عليك علامَة عَجزٍ وجُبن وضُعف، تشجّع إذن، فأنتَ الرّابِح والمُستَفيد في جميع الأحوال وكيفما كانت النّتائج !
تَوَكَّل على ربِّك واستَعِن بِه سبحانَه، ولَا تَتَسَرَّع أو تَستَبِق الأحداث ! فالنَّتائِجُ العَظِيمَة تَحتاجُ إلى وَقتٍ وصَبرٍ وشَجاعَة واستِمراريَّة، إضافَة إلى كَلمَة السِّرّ ؛ الانضباط، بإذنِ الله !















