كأنّ شيئاً ميتاً يسكن صدري منذ زمن...
شيء لا اسم له، ولا وجه له، لكنّه يكبر كل يوم، كعفنٍ أسود يلتهم ما تبقّى منّي بصمت.
لم يعد الليل يختلف عن النهار.
كلاهما يمرّ فوقي بالبرودة نفسها، والفراغ نفسه، حتى صارت الأيام نسخاً باهتةً من بعضها، تتعاقب بلا معنى، كأنّ الزمن عالقٌ في دائرةٍ لا نهاية لها.
لا لأنّ الطريق طويل، بل لأنّني أحمله فوق كتفيّ وحدي.
خطواتي ثقيلة، كأنّها تُسحب نحو قاعٍ لا أراه، وروحي تتأخّر خلفي دائماً، منهكةً من كثرة ما حاولت النهوض ثم سقطت.
الرغبات ماتت واحدةً تلو الأخرى، والأحلام التي كانت تضيء داخلي تحوّلت إلى رمادٍ بارد.
ذلك الذي كان يوماً نافذتي الصغيرة نحو الحياة، صار مجرّد قطراتٍ تضرب الزجاج وتمضي، بينما أقف خلفها جامداً كأنّني جزءٌ من هذا الصقيع.
وكل خذلانٍ ترك في قلبي شقّاً جديداً، حتى امتلأ بالتصدّعات.
لأنّه تحطّم منذ زمن، وما بقي منه ليس سوى بقايا تحاول أن تؤدّي دور القلب.
أقسم إنّ في داخلي تعباً لو وُزّع على العمر لأثقله.
تعباً لا ينام حين أنام، ولا يرحل حين أبتسم.
يجلس في صدري كجثةٍ باردة، يذكّرني كل صباحٍ بأنّ النجاة ليست قريبة، وأنّني ما زلت هنا فقط لأنّ السقوط الكامل لم يأتِ بعد.
أحياناً أشعر أنّني أصرخ من أعماقي، لكنّ صوتي يموت قبل أن يصل إلى أحد.
وأحياناً أشعر أنّ الصمت نفسه يصرخ داخلي حتى يكاد يمزّقني.
أعيش بين ضجيجٍ لا يسمعه سواي، ووحدةٍ لا يستطيع أحد لمسها.
أراقب الحياة كما يُراقب الغريق اليابسة من بعيد.
أراها واضحةً أمامي، لكنّها بعيدة بما يكفي لتبقى مستحيلة.
هناك مرحلةٌ يتجاوز فيها الإنسان كل شيء، فيصبح الألم جزءاً من تكوينه، ويغدو الفراغ وطناً يسكنه.
في مكانٍ لا ضوء فيه، ولا وعد، ولا خلاص.
مكانٍ يشبه موتاً بطيئاً لا يملك صاحبه رفاهية الرحيل.
أمضي بين الوجوه وكأنّني شبحٌ نسيه العالم.
أبتسم أحياناً كي لا يسألني أحد عمّا بي، وأتحدّث كي أخفي هذا الصمت الهائل الذي ينهشني من الداخل.
لكنّ الحقيقة أبشع ممّا أظهره للجميع...
ففي أعماقي خرابٌ لا يُرمَّم، وفراغٌ لا يملؤه شيء، ووحدةٌ تتكاثر كلّما حاولت الهرب منها.
لقد تعبت من انتظار الأشياء التي لا تأتي.
من منح قلبي فرصةً جديدةً بعد كلّ سقوط.
حتى الأمل، ذلك الكائن العنيد، بدأ يختنق داخلي شيئاً فشيئاً، تاركاً خلفه ظلاماً كثيفاً يمتدّ في كل الاتجاهات.
أنّني لم أعد أبحث عن النجاة.
كل ما أريده أحياناً هو هدنةٌ قصيرة مع هذا الثقل الذي يسكن صدري.
ساعةٌ واحدة لا أشعر فيها بأنّني أحمل عمراً كاملاً فوق كتفيّ.
لكن حتى هذه الهدنة تبدو بعيدة.
لا لأنّ الطريق يقود إلى مكانٍ أفضل،
ولا لأنّني أؤمن بالنهايات السعيدة،
بل لأنّني اعتدت السير في العتمة،
واعتدت أن أحمل هذا الخراب معي أينما ذهبت.