`
أحيانًا نُبتلى بأناسٍ نحبّهم، ونحسن إليهم، وتطيب لنا مجالستهم، غير أنّ بيننا وبينهم عُقدة خفيّة لا تُرى بالعين ولكن تُحسّ في القلب؛
عقدةُ الخوف من الكلام.
تتردّد الكلمة على أطراف اللسان، ثم تعود أدراجها؛
لأنك لا تدري بأيِّ وجهٍ سيتلقّونها،
ولا أيّ بابٍ سيُفتح في نفوسهم حين يسمعونها.
فحديثك عندهم ليس حديثًا، بل اختبار نيّات، ووزن ظنون، ومساءلة مبطّنة:
"بماذا شعرت منّا؟"
"ما الذي رأيته فينا؟"
"ولماذا تقول هذا؟"
كأنّ النصيحة عندهم اتهامٌ مُقنَّع،
وكأنّ رأيك مرآةٌ تُظهر لهم ما لا يريدون رؤيته.
لا يأخذون الكلمة في معناها، بل في ظلالها؛
ولا يلتقطون قصدك، بل يفتّشون عمّا وراءه،
فتغدو أنت في نظرهم:
مرّةً سيّئ الظن
ومرّةً متهكّمًا،
ومرّةً مُتكلّمًا بوجهٍ لا يليق…
وهؤلاء ليسوا غامضين ولا صريحين، إنما هم من أهل المنطقة الرمادية؛
قلوبهم تفتح بابًا وتغلق بابًا، بحسب ما تهبّ فيه رياح مزاجهم.
تحدّثهم عن أمرٍ بسيط فيدعون المثالية،
وتحدّثهم عن خيرٍ خالص فيجعلونه شبهة،
وتلمس في ردودهم شيئًا من اضطرابٍ يشبه ارتعاش الظلّ على الماء.
فتمشي بينهم على أطراف قلبك،
تختار كلماتك كما يختار العابرُ موضع قدمه في طريقٍ مليءٍ بالحجارة؛
لا لأنك ضعيف، بل لأنك تحرص على سلامة الودّ،
وتكره أن تُسقِط كلمةً في قلوبٍ لا تحتمل سقوط الكلمات.
وتمضي متسائلًا:
"أأقول لهم ما في صدري فأؤذِيهم؟
أم أكتم فيصدأ قلبي؟"
وبين خوف الإيذاء وخوف الصدأ…
تبقى أنت وحدك في المسافة الفاصلة.
•


















