لا أستطيع أن أحمل الوطن بكل أماكنه وناسه أينما ذهبت
أترك أصوات الكماسرة والباعة الجائلين
أترك صوت المطر على سقف الزنك
أترك صوت بوري العربات في الزحمة
انظف الأغاني من الأماكن والأشخاص
"لو تعرف إني من أجلك مشيت مشوار سنين وسنين"
نهار حار ومشوار من الخرطوم لي بحري ومستشفى أحمد قاسم اجلس في المقعد الخلفي في عربية بابا وصوت البلابل يصدح،أمسح الأشخاص والذكرى واترك صوت البلابل الصادح خفيفا في ليالي الاغتراب
يالخضرت مواسم ريدي الكانت قبلك كلها صيف"
الطريق من الرياض الي ابو آدم ترحيل الشغل والقصص والحكايات أمحو الأماكن والشعور واترك محمود يسأل بدون أجابة.
" وانتي ساعة المغربية قعدتك جمبي وعيونك سارحة في الدنيا القصية"
آخذ اخواتي العزيزات من أيادهن وأطلب منهن مغادرة هذه الاغنية التي صارت صورتنا في المرة التي سمعناها معا، حتى استطيع ان اسمعها من غير دموع ويظل صوت خالد الصحافة شجي دون شجون.
"يا حبيب.. ورد الاماني الحلوة في أعماقي فتح وابتدا القلب اللي عاش العمر في آهاته يفرحنا نور العين أنت وينك وين؟"
هذه الأغنية وهذا المقطع تكرر أكثر من ٣ مرات في أيام مختلفة من راديو عربية بابا في الطريق للجامعة، من شارع مستشفى الشعب إلى نهاية شارع المك نمر، هذه الأغنية موسيقى تصويرية لست الشاي وهي ترتب مكانها أمام مركز البحوث.. اغمض في كل مرة استمع فيها إلى الأغنية واحاول التركيز في صوت وردي ورقّة الأغنية فقط وانسى الوجوه.
الشوارع مترسة والمظاهرات اقضي ساعات في طريق الذهاب والعودة من العمل وأكرر هذه الأغنية، شارع الحرية وطرق أبو حمامة والسجانة المترسة كليا، الأحجار الكبيرة وميادين الكورة، امسح الصور واحتفظ بعثمان حسين.
"الجريدة .. وسارحة مالك يا حبية"
فورا أجد نفسي في شارع الجمهورية في طريقي بين سونا واتنيه والأصحاب والحمام ودكاكين شارع الجمهورية، امسح الصور واترك صوت محمد الأمين ليعذبني وحدة.
في كل ليلة نعيد ترتيب الصور والأغاني والأماكن في الذاكرة الغارقة في الحنين.
صور كثيرة مطبوعة على الأغاني تثقل القلب والذاكرة
ما تركت لنا الحرب شيئا في مكانه
الزلزال حرك كل شيء عن مكانه
الغربة تفكك الوحدة وتفكك الصور والمعاني والأغاني وتغرقنا في الحنين والأنين.