"ندرك ما ضاع، ونواصل المضيّ في درب الخسائر كي نُضيع أكثر، ونفهم أكثر، وربّما (في حالات نادرة) ننضج أكثر: اتصالات مؤجَّلة، رسائل غير مقروءة، لحظات لقاء لا تتمّ، دقائق غفلةٍ غير مقصودة، ساعات نوم غير ضروريّة. مأساة المتيّمين بحصاد الخسائر أنّهم يعون حتميّة تلك الفرص الضائعة، ويضيفون إليها – كي تكتمل الدائرة السيزيفيّة – قضايا خاسرة: دفاعٌ عن قضيّة مُهمَلة، عن أسماء مُهمَلة، عمّا تتغافل عنه ذاكرة الزّمن السّائد، ذاكرة المينستريم التي ترسم حدود حيواتنا اليوميّة؛ قد تكون قضايا خاسرة لأنّ الجميع تقريبًا يتغافلون عنها، وقد تكون في الغالب خاسرةً لأنّ الجميع يتحدّث عنها غير أنّهم يتحدّثون عنها لأسباب خاطئة: حريّة، ديمقراطيّة، سوريا، لبنان، مقاطعة، تطبيع، احتلال، نخبويّة، شعبويّة، فنّ، فنّ بديل، فنّ بديل للفنّ البديل. قضايا خاسرة لأنّها تحديدًا لن تتحوّل إلى قضايا رابحة، لأنّها قضايا مهزومين، قضايا ما راح، ما ضاع، ما تلاشى. ليس الأمر ولعًا بالهزائم، بل وعيًا بها، إدراكًا لحتميّتها، تأهّبًا لملاقاتها والالتفاف حولها كي تتضاءل الخسارة: نخسر أكثر فنخسر أقل".
~ أنطونيو غرامشي













